لم تنشأ العلوم الدلالية من محض التفكير الحدسي والأدبيات اللسانية الصرف، وإنما نشأت أنساقا محكمة المنهج متماسكة النظام متراصة البنيان مطردة الكيان. وذلك لأن جوهر النماء العلمي وتحققه هي القطائع "الإبستيمولوجية" التي تسم تاريخ العلم وتحقق معرفته وتجيب عن السؤال الذي يطرحه المفكرون باستمرار ماذا يمكن أن نفعل لإنتاج معرفة علمية نافعة وغير متكررة؟ فالفلسفة التحليلية مثلا ، ولحل قضايا تهم ما يسمي فلسفة اللغة وظفت أداة علمية ناجعة هي الرياضيات المنطقية.
ولهذا لم تخالف النظريات الدلالية هذا السنن ولم تنته إلى غير هذا المصير، فالدلالة البنيوية مثلا، وإن تمخضت في بداياتها لدراسة ضروب من الأجناس الأدبية في إطار أنساق الشكلانية ثم ترسخت لاحقا منهجا لدى اللسانيين البنيويين ، إنما كانت ثمار المنهج العلمي الصارم الذي تقارب في ضوئه الظواهر والمسائل في الأدب واللسانيات . ثم إن الدلالة المنطقية نبعت في جوهرها من الرياضيات بصفتها علما صحيحا صارما ، ثم جري تطبيقها على اللغات الطبيعية وتم اعتمادها في أنواع الحوسبة اللسانية وكل ما تعالجه اللسانيات الحاسوبية من المعجم إلى مختلف الأبنية والمستويات اللغوية...