لم يفرز الجدل في الفكر الإسلامي بين التوحد العقائدي والتعدد الفكري مناظرات فكرية أو مطارحات منطقية باعتماد الاستدلال والحجة، بل أفضى في كثير من العصور والأمصار، إلى ظهور حملات تنديد وتهجم بل وتكفير طالت الجانب الأوفر من الفلاسفة والمفكرين وأفضت إلى نفيهم وترحيلهم وإحراق العديد من المصنفات والكتب وتهاوى نتيجة لذلك الجهد الفكري في العالم العربي والإسلامي ونخرته الصراعات المذهبية والأطماع الشخصية والعصبية السياسية فحف به الهوان ودب فيه الضعف . وترتب على هذا الوضع تخلف الاجتهاد وهيمنة روح التقليد وتنامي التعصب للمذاهب بما جعل الفقهاء، يخضعون وينصاعون لأصحاب المذهب دون مناقشة ويحكمون على من خالف مذهبهم بالضلال والفسوق والكفر.
وليس خليقا بفكر كان موئلا للحضارة الإنسانية خلال أحقاب حمى الفكر الديني من سطوة الأصولية وبأس الظلامية، أن يقتصر على اجترار ما ذكره الأوائل ومدح ما اهتدى إليه المتقدمون ويرتد عما شهده من توثب لإعلاء مكانة العقل .
ولما كانت فلسفة القانون كفيلة بإدراك جميع جوانب وخصوصيات القانون، فقد قدر رجال القانون أن دورها يتمثل في تجديد ماهية القانون من خلال تدبر أحكامه وتكريس المبادئ المؤسسة لعلم القانون والمساعدة على تبين السياسة القانونية وتحديد المثل الواجب اعتبارها وتحليل المفاهيم القانونية وإثراء الفكر القانوني.
وإن التطورات الحديثة للقانون المقارن والشكوك الحالية التي تكتنف القانون الدولي والرهانات الجديدة التي يفرضها المجتمع المدني والمجادلات الفكرية العقائدية التي لم تقتا تعصف بالعالم العربي والإسلامي، من شأنها أن تسلط المزيد من الضوء على نقائص التقنيات القانونية وتشجع على الانعطاف أكثر في اتجاه فلسفة القانون.
وترتيبا على ذلك فإن إشراقة فلسفة القانون في الوقت الراهن ليست مناسبة فحسب بل كذلك ضرورية
ومن "طبيعة الأشياء".
وفي المتحصل، يمكن اعتبار فلسفة القانون ترجمانا عن موقف الرجل الحر الرافض للخضوع لاستبداد آية مدرسة أو أي رأي، وهي نقيض التحذلق والامتثال، فهي قلق فكري أبدي وشك منهجي أزلي.