من أقدم المصنفات التي وصلت إلينا في مناقب الزهاد والعباد بإفريقية والمغرب، وهو يمثل نموذجًا مبكرًا لأدبيات الزهد الفردي التي سبقت مرحلة تشكل التصوف المؤسسي في الغرب الإسلامي. ويكتسب هذا الكتاب أهميته من كونه مصدرًا لتوثيق سيرة أحد أبرز أعلام التعبد في بلاد الساحل قبلة القيروان، وهو إبراهيم بن أحمد بن سَلَّم البكري، القيرواني المولد والجبياني الموطن. وقد كان الجبياني شخصية فاعلة في مجتمعه، نشأ في بيئة ميسورة، غير أنه اختار - في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها إفريقية مع سقوط الدولة الأغلبية وقيام الخلافة الفاطمية - طريق الزهد والنسك، متشبثًا بالمذهب المالكي ومدافعًا عنه بقوة في خضم الصراع المذهبي. ومهما يكن الدافع الحقيقي لهذا التحول في مسار حياته، سواء كما ترويه روايات المناقب أو كما يستشف ضمنًا من سياقها، فقد اكتسب الجبياني مكانة روحية وكاريزما استثنائية في الوسط المالكي، لم يحظ بها أحد من معاصريه.
وإلى جانب قيمته الدينية والروحية، يقدم الكتاب مادة معرفية غنية تندرج ضمن التاريخ الاجتماعي المحلي، كما يشمل على معطيات مهمة في الطوبونيميا تتعلق بالمنازل والقرى في ناحية جبيانة. ويغطي هذا المصنف مرحلة زمنية حاسمة تمتد من أواخر القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع للهجرة، بما يجعله وثيقة أساسية لفهم البنية الاجتماعية والدينية والسياسية التي تشكلت فيها شخصية أبي إسحاق الجبياني.