لقد استطاع الزيديون بقيادة الإمام الهادي إلى الحق التسرب إلى اليمن الأعلى وتحويل مدينة صعدة دارا للحق والمحقين وللهجرة والجهاد، لتتأسس بذلك السلطة الزيدية القائمة على عقيدة الخروج وعقيدة الإمامة. وفي المقابل فإنّ الطريقة العلوية المنحدرة من القادرية الجيلانية ومن الشاذلية المغربية وجدت هي الأخرى طريقها إلى اليمن الأسفل. ولكن خلال القرن السابع ستنتشر الطرقية بحضرموت وتهامة والهضبة الوسطى اليمنية لتسود عقيدة الجبر التي قاومها الزيديون وعقيدة الاستكانة التي وضعت المتصوفة في مواجهة مع فقهاء الشافعية باليمن الأسفل، وسيتخذ الصراع عدة أبعاد لعل أبرزها تلك المتعلقة بالعادات والطقوس التي تبناها المتصوّفة وجعلوها ركنا في عقائدهم، في حين رفضها الفقهاء واعتبروها منكرات وبدعا وفسقوها.
إنه جدل العقيدة والسياسة في لحظات تاريخية منفصلة ومتصلة بأرض اليمن قدمناه في سلسلة من المقالات التي شاركنا بها في ندوات دولية بجامعة الزيتونة وجامعة منوبة وجامعة محمد الفاتح بتركيا ضمن أنشطة كل من مخبر الظاهرة الدينية ومخبر المذاهب والأديان وأنشطة معهدي الحضارة الإسلامية وأصول الدين.
لقد حاولنا من خلال مجموعة البحوث التي تضمنها هذا الكتاب تجاوز البحث التاريخي الخطي لنلج عالم تاريخ الأفكار. وإن مسألة العلاقة بين السياسي والعقدي لا تزال من المباحث التي تثير اهتمام الدارسين في اختصاصات متعددة، ولا تزال تطرحمن الأسئلة ما يجعل مقارباتها متنوّعة وزوايا البحث فيها مختلفة. وإن أبرز زاوية في هذه المسألة التجارب التاريخية المتعددة التي تنير جوانب من الحضارة الإسلامية في سيرورتها وفي جدلية مكوناتها والتي جعلناها مدار بحثنا عسيانا بهذا العمل المتواضع نسهم في حل عقدة الاشتباك بين السياسي والعقدي.